لطالما رافقني الخجل مع كلّ نجاحٍ حقّقتُه في حياتي، إلى حدّ أنني أستطيع أن أجزم بأنني لم أعرف يوماً نجاحاً غير مطعّمٍ بالخجل. كيف يكون طعم النجاح إذا لم تدخل عليه تلك المرورة الحامضة، النكهة اللاذعة التي تندفع نحو المريء لتقتصّ من الطعم الصافي العريق؟ لم أفكّر في الأمر سابقاً، ثم فجأةً أصبح السؤال ملحّاً: ما العلاقة التي تربط النجاح بالخجل، وما دور كوننا نساء في هذا؟
خجلتُ في كلّ مناسباتي المُفرِحة، وبغضّ النظر عن الفساتين التي لبستها في كلٍّ من هذه المناسبات. حين بدأتُ عملي شابةً يافعة تجلس على مكتبٍ، كان الحياء ينتابني كلّما دخل كاتبٌ أو شاعرٌ، ونظر إليّ عبر تلك المسافة الفاصلة بين عينيه ونظّارتيه. والنسوة أيضاً، كنّ يطلبن مبرّراتٍ لوجود شابة صغيرة مثلي وراء ذاك المكتب.
ولفترةٍ ما، اعتقدتُ أن توقّعات الآخرين لها سطوةٌ عليّ أنا أيضاً، فإذا اجتمع جمعٌ على فكرة، توجّب عليّ اعتناق تلك الفكرة، وبغضّ النظر عمّا إذا كان السؤال نفسه سيُطرح لو كنتُ شاباً لا شابةً حينها. مارستُ على حالي قصاصاً قاسياً: حاولتُ قولبة نفسي بحسب تصوّراتهم، فتحسّرتُ لأنني كنتُ أصغر من السنّ المرسومة في مخيّلاتٍ ليست لي. كي تدير عملاً في مجالٍ محدّد، عليك أن تمتلك المواصفات السائدة في المجال نفسه، بما في ذلك أشياء لا قدرة لك على تغييرها، كعمرِك مثلاً، أو جنسك، وإلا فسيتأكّد الجميع من محاولة بثّ شيءٍ من الارتباك في جسمك، من خلف نظّاراتهم أحياناً. لكنني سرعان ما فشلتُ في مسعاي، ورميتُ القالب الجاهز لأنه أربكني. قلتُ جهارةً هذي أنا، لكنني لم أتمكّن من منع نفسي بدايةً من الخجل.
ثم تابعتُ دراستي، وحين سلّموني الشهادة، بالكاد ابتسمت. قالوا ما لم أُقِم له وزناً وقتها لولا وجود أختي إلى جانبي. نبّهتني يومها: “يا أُختي، هذه ليست كلماتٌ تُقال لجميع المتخرّجين”. ابتسمتُ وحضنتُها، ثم ركضتُ إلى محلٍّ للوشوم لِأُجابه موجة الخجل التي أصابتني من جديد. طلبتُ وشماً محدّداً، لا يسبّب دقُّه في الجلد آلاماً شديدة ولا ينتج تأوّهات، ثم عدت إلى البيت الذي استأجرناه في تلك المدينة الأوروبية، ونمتُ بعد أن عالجتُ خجلي على طريقتي. لم أفكّر يومها في السبب، إذ أصبح الأمر مألوفاً إلى درجة أنك لا تنتبه له، أو أنك لا تفهمه، لكنك تشعر به. ثم صار الناس يباركون لي، ورغم ذلك، لم أسمح سوى لقلّةٍ قليلةٍ جداً بمناداتي “دكتورة”. قلتُ إن الشهادة لا تغيّر المرء، ولا تغيّر علاقاته بالناس، وبالتالي فهي لا يمكن أن تغيّر كيف يخاطبه هؤلاء الناس. ومرّت السنوات ولم أعترف بأنه، مجدّداً، ذاك الخجل الذي لم أفكّ كنهه بسهولة. ما زلتُ أذكر كيف شكرني صاحب متجر التاتو لأنني كنتُ زبونةً سهلة. لم أصرخ ولم يستغرق طلبي وقتاً طويلاً منه. هكذا علينا أن نكون، خفيفات وناعمات حتى في خجلنا، خَفرات وغير مضجّات في النجاح والفشل وغيرهما. شعرت بخفّتي يومها، إلى أن شكرني فنّان الوشوم وأفسد عليّ لحظتي. ليتني عذّبتُه وطلبتُ رسماً معقّداً، فقط نكايةً به، هو الذي سرق مني تمرّدي بأن تفّهه إلى درجة أنه شكرني عليه. وسرعان ما نسيتُ التاتو، وسبب دقّه في مسامي، وابتلعتُ شهادة الدكتوراه وسنوات السهر والليالي البيضاء وغصتُ في مرحلة الأمومة الثانية بعد الأولى.
ثم غيّرتُ عملي وغصتُ في تحدّياتٍ جديدة، وتعلّمتُ واستمتعتُ وحلّقتُ، وخجلتُ من جديد. لم تكن النتائج متوقَّعة، وكنتُ أنا آخر من يعلم. صرتُ أبحث أكثر وأعطي أكثر، إلى أن سألتني زميلةٌ حانقة: “هل هناك فراغٌ ما في حياتك تعوّضينه في العمل؟”. دُهشتُ من وقاحة السؤال الذي حمل وقع الاتهام، لكنني أجبتُ بتلقائيةٍ إنني بعيدة عن أهلي وعن بلدي، ثم خجلتُ وفاض في فمي ذاك الطعم المر الحامض فبصقتُ. ومن حينها، رحتُ أبحث أكثر وأفكّر في مفهوم منهجة الخجل.
ثم كتبتُ، بقناعاتي، وأحرفي، وترتيب كلماتي. لجأتُ إلى الأدب وفاضت الدنيا بما فاض به رأسي على تلك الأوراق، ولم تكن تجربةً أدبيةً عاديةً كما قالوا. فَرِحتُ، فالأدب مرتعي المعشوشب، والروايات الجميلة بَقَرَاتي الحلوات، أتغذّى على حليبها وأنمو وأخضرُّ أحياناً حتى. ثم هجمت مجموعة ساحرات ناعمات خشنات، الواحدة تلو الأخرى، في أسطولٍ أدبي منمّق يستهدف الابتسامات الفالتة من الشفاه. ماذا أردنَ؟ تشجيع المواهب الجادة على الانسحاب بأسرع وقتٍ ممكن، بعد ضخّها بالمزيد من جرعات الخجل من الذات، فمن أكثر قدرةً منه على الإسكات؟
لكنني رأيتُ الخجل هذه المرة!! رأيتُه وهو يتسلّل احمراراً خفيفاً في وجنتيّ، خَفَراً في غير محلّه. وهذه المرة، التقطته من شاربيه الطويلين. أتتخيّلون معي شاربي الخجل؟ حملتُه من شعر وجهه ورميتُ به إلى جانب الطريق. ثم عدتُ والتقطته عن الأرض، ولففتُه بمنديلٍ كما فَعَلَت بَطَلَتي بجنينها في بداية روايتي الأولى. ربطّته بشدة في المنديل كي لا يتسرّب شيء منه، ذلك أنني أردتُ بشدةٍ إعادته إلى منبعه.
أما منبع الخجل، ففي بئرٍ سحيقةٍ ظلّت تتراكم فيها عُصارات المرورة والحموضة اللاذعة للنساء على مرّ العصور. اليوم، أعيد خجلي إلى تلك البئر، أحرّره هناك حيث تتكاثر الثعابين، والمياه آسنة، والبشر والساحرات يرمون آثامَهم غير عابئين.
الخجل إثمٌ، على عكس الحياء. فأن ننجح أي ألا نخجل، ولا سيما إذا كنّا نساء. وكلّ صبرٍ وراءه نجاح، على أن نتصبّر. لذا، لكلّ من يحاول إخجالكم، قولوا (وقُلنَ): خذوا خجلكم هذا الذي تخبّئون قلة صبركم خلفه ودعوه يُسقطكم أنتم في البئر. أما نحن، فسنظلّ كما نحن لكن أخفّ ثقلاً هذه المرة: نعرف أن لنا حقّاً في طعم نجاحٍ صافٍ من الخجل.
