ذات مساءٍ ربيعيّ في بيت مري في لبنان الأخضر، وكان الطقس بديعاً والليل قد حلّ للتوّ، كانت تتسامر مع صديقتها وقد تركت لطفلتها مساحةً لترسم على أوراقٍ كبيرةٍ زرقاء وصفراء، ومدّتها بكافة الألوان لتنشرها على الأوراق وعلى الدنيا من حولها. قبل أن تغيب الشمس، خرجتا معاً إلى الشرفة الرفيعة وشاهدتا الغسق. كانت الشمس حمراء تسبح في زرقة كثيفة ثم غدت السماء كحليّة قبل أن يعمّ الظلام، فدخلتا مجدداً إلى الصالة الأنيقة وراحتا تعيدان طرش الألوان. وفي خضمّ حديثها مع الصديقة، انطلق في السماء الكحليّة صوتٌ صمّ أذنيها. أصواتٌ متعاقبةٌ علت على كلّ ما حولها وأجفلتها تماماً. وقفت، ونظرت برعبٍ إلى الخارج ثم إلى سارة التي كانت تحدّق إليها، ثم إلى الخارج، ثم إلى سارة، إلى أن رأت الألوان في السماء وفهمت أن الصوت ليس سوى مفرقعاتٍ ناريةٍ مرّت من أمام الشرفة مباشرةً فجاء صوتها مهولاً كصوت الحرب. لكنّها كانت قد رأت الرعب وهو ينتقل من عينيها إلى عيني ابنتها، قبل أن تسيطر هي على نفسها وتحاول التخفيف عن سارة. بكت سارة من قلبها لكنّها لثوانٍ بدت طويلةً جداً لم تعرف بما تحسّ سوى برعبٍ شلّها تماماً، فزمّت شفتيها الصغيرتين والخوف يتآكلهما ونظرت في الفراغ الذي لم يتمكّن اتساع حدقتيها من احتضانه، وراحت ترتجف. سارة امتصّت الحرب من عيني أمّها، لمست تأثير الرصاص والقذائف والهاون والانفجارات والرعب الذي تولّده. لم تكن قذيفة الآر. بي. جي التي مرّت من فوق رأس الأمّ وهي طفلة، لتخترق خزانة الحائط في غرفتها وتحطّ في حرامها الأزرق قد غادرت ذاكرتها بعد. ألم تحتفظ بالحرام الأزرق نفسه لكل هذه السنين؛ ألم تصرّ من حينها على أن يرافقها هذا الحرام أينما ذهبت وصولاً إلى سريرها الزوجي وأبعد؟ كومة القماش الأزرق العتيق تلك لم تكن مجرّد حِرام، بل دليلٌ على أنها حيّة ترزق رغم اختراق القذيفة لنافذة غرفتها ومرورها من فوق رأسها مباشرةً. كانت تعتقد أنها يوم تتخلّى عن الحِرام الأزرق ستكون قد تخلّت عن كل رغبة لديها في الحياة
جلست بعد الحادثة على سرير صديقتها في غرفة نومها من الجهة المقابلة لحيث كانوا جالسين. إلى الجهة المقابلة تلك أصرّت سارة أن تأخذها أمها لتهرب فقط من مصدر الصوت، راحت تؤشّر لها بإصبعها وتردّد: “لهونيك. لهونيك”، وتبكي. هي أيضاً كانت تبكي وتصرّ على الذهاب إلى رواق منزلهم أيام الحرب كلّما سمعت صوتاً يُنذر باشتعال الوضع. شعرت بحاجةٍ شديدة إلى التمدّد وفي حضنها سارة الخائفة ترضع بتوتّرٍ نهمٍ لعلّها تنسى الصوت المرعب. تركتها ترضع، متنقّلةً بين حلمةٍ وأخرى، وراحت تنظر إليها بعطف الكون كلّه. تمدّدت وأفلتت العنان لحليبها ولذاكرتها. تراءى لها يومَ كانت مع والدها في السيارة متّجهين إلى مدرستها القائمة في إحدى مناطق بيروت الغربية. كان والدها يشغّل مسجّلة السيارة كلّما استقلّها، ويختار دوماً أغاني فيروز. كانت بيروت تفتقر إلى الأمان آنذاك، وكذلك علاقة أمّها وأبيها، وكانت فيروز تصدح في الخلفيّة: زعلي طوّل أنا وايّاك…وسنين بقيت..جرّب فيهن أنا إنساك.. ما قدرت نسيت.. يومها صمت أبوها طوال الطريق، حتى اقتربا من المدرسة فقال لها: ركّزي بالصفّ وما تخافي
بابا، بدّي ماما
إي إي بابا. هلّق انزلي وخلّيكي قويّة وركّزي بالصف
ترجّلت من السيارة أمام باب المدرسة، وتوجّهت إلى الملعب، وحيدةً في ذاك النهار ذلك أن أختها التي كانت ترافقها دائماً كانت مريضةً ولازمت المنزل مع عمّتها، ف”ماما” كانت في مكانٍ ما في بيروت بعد أن تشاجرت مع زوجها وغادرت المنزل.
حين وصلت إلى الملعب، وقفت وحيدةً تحاول استجماع قوّتها التي دفعها أبوها إلى شحذها. مرّت ربى من أمامها، فنادتها
ربى، تعي نلعب شوي قبل ما نطلع عالصف
فوتبول؟
كانت ربى تهوى لعب كرة القدم، وكانت لها رغم صغر سنّها بطّتان متضخّمتان قليلاً في قدميها، تشيران إلى هوسها بالكرة. أما هي، فلم تكن تجيد كرة القدم أبداً، لكنّها لم تهتمّ، فجلّ ما كانت يعنيها في تلك اللّحظة ألا تبقى وحيدةً تفكّر في أمّها، وأبيها، وفيروز
إي، إي، فوتبول
دخلتا الملعب المخصّص لألعاب الكرة بكلّ أنواعها، وراحت تركل الكرة بكلّ قوّتها. لعبتا معاً يومها واتّفقتا ألا تطيلا اللعب كي لا تفوّتا بداية الصفّ. كانت مشتاقةً لأختها التي درجت على البقاء معها في الملعب قبل بدء الصفوف وأثناء الاستراحة لكنّها كانت غائبةً يومها، فحلّت ربى وكرة القدم محلّها. وقبل أن تتنبّها إلى أن الصف سيبدأ، قطع صوتٌ مدوًّ وعنيفٍ حبل اللّعب وأعادهما إلى أرض واقعٍ لا يمتّ إلى طفولتهما بصلة. ساد الهرج والمرج وركضتا كما بقيّة الأطفال إلى ملجأ المدرسة بانتظار أن يأتي والد كلّ منهما ليقلّهما إلى المنزل. في طريق العودة، فهمت من والدها المرعوب أن القصف مصدره الأونيسكو، وأن مجزرةً قد حدثت للتوّ هناك، وأن …. الأونيسكو؟ وين الأونيسكو؟ شو يعني أونيسكو؟ شو يعني مجزرة؟ بدّي ماما يا بابا
ستظلّ ذكرى ذاك اليوم في ذهنها إلى الأبد، لأسبابٍ كثيرة غير القصف، وغير كرة القدم، وغير غياب أختها، وغير شوقها إلى أمّها، وغير أبيها ولأسبابٍ لا علاقة لفيروز بها. لن يبارح ذاك اليوم ذاكرتها لأنه اليوم الذي التقت فيه أبا ربى للمرّة الأولى حين كان يركض وأبيها لأخذهما من المدرسة، وكان الخوف مرتسماً على كلّ تفصيل من تفاصيل وجهه
تململت على سرير صديقتها، قلقةً من تأثير هذه الذكريات على حليبها. سألت نفسها: “لماذا أًرضع ابنتي كلّ هذا الأسى؟” حاولت أن تزيح سارة عن ثديها فازدادت الطفلة تشبّثاً. حضنتها وانهمرت دموعٌ ناعمة من عينيها. أين ربى في هذه اللحظة؟ هل هي في السماء مع الملائكة كما يقولون؟ هل تلعب كرة القدم مع أترابٍ لها فوق الغيوم البيض؟
بعد أن توفّيت ربى الشابة بحادث سيارة قبل حوالي سنتين، التقت أم سارة والد ربى للمرّة الثانية في حياتها، وكان الخوف قد غادر وجهه وحلّ حزنٌ عميقٌ محلّه. كانت صدفةً وكأنها قدر
دار حديثٌ طويلٌ جداً بينهما، انتهى بتساؤلٍ واحدٍ سيطر على كلّ ما فيها: هل تصوّرت حين جئت راكضاً إلى ملجأ المدرسة حينها، يا عمّو، أنك ستتمكّن من التغلّب على الموت؟
لم يمرّ وقتٌ طويل على كتابتي هذه القصّة* حتى دوّى انفجار مرفأ بيروت. في البدء أُلقي اللوم على المفرقعات النارية قبل أن يتم الاعتراف بوجود أطنان من نيترات الأمونيوم. ازداد عدّاد الصدمات الجماعية اللبنانية وتُركت الجثث تحت الأنقاض . بعد شهرٍ على الحادثة، تم التقاط نبضٍ تحت ركام مبنىً منهار في مار مخايل. تسمّر اللبنانيون أمام شاشات التلفزة ينتظرون أن يتم انتشال صاحب النبض لعلّهم، هم أيضاً، يحظون بفرصة الاعتقاد أن ثمة من يستطيع أن يتغلّب على الموت
أما سارة، فلا بدّ أنها عاشت صدمتها المباشرة الأولى لحظة انفجار المرفأ، ولم تعد التروما في حاجةٍ إلى الانتقال من عيني أمّها إلى عينيها. لكنها قوية كما أردتها في قصّتي، وستعلّمها أمها أن تعترف بالخوف من دون أن تستسلم له وإن كان ذلك عبر كتابة قصّة
ه *وهي فصلٌ من نصّ أنجزته وما زلت أتروّى في نشره
Pingback: أزمة منتصف العمر "الوهميّة" تقترب - عزّة طويل - Azza Tawil